لمحات عن نشأة المنظمات التطوعية في السودان

مقدمة:

لقد ظل السودان بأرضه الواسعة ومراعيه الخصبة وسماحة أهله ملاذاً لعابري السبيل وأرضاً تهاجر إليها القبائل من الشمال والجنوب والشرق والغرب وخلال القرون الخمس الماضية كان الحجاج إلى بيت الله الحرام وطلاب العلم يعبرون السودان في هجرتهم من غرب أفريقيا وفي كثير من الأحيان يبقى البعض منهم في السودان بغرض طلب العلم وحفظ القرءان الكريم وأحيانا يكون الهدف طلب الرزق ، وهكذا يلجا الطلاب إلى خلاوي القرآن الكريم المنتشرة في العديد من المناطق حيث المسيد الذي يعتبر مؤسسة طوعية اجتماعية تربوية شاملة تقدم المأوى والغذاء والكساء والرعاية ومن الملاحظ أن المجتمع السوداني مجتمع متكافل متراحم يتم فيه تقديم الخدمة للضيوف والمحتاجين والمنكوبين والضعفاء بطريقة طوعية ذاتية من أفراد المجتمع الذين يقومون بالعمل الجماعي للمساعدة في الافراح وتشييد المرافق الخدمية العامة مثل بناء المساجد والمدارس وحفر الآبار وغيرها من أشكال التطوع مثل النفير والعون الذاتي… إلخ.

إن الجهات التي تقوم بكل ما هو مطلوب لتنفيذ مشروعات خدمة المجتمع المشار إليها هى الهيئات الأهلية التي تقدم الخدمات الطوعية الخيرية دون مقابل سوى الأجر من الله سبحانه وتعالى مثل الطرق الصوفية ،  والكيانات القبلية ، والأوقاف الإسلامية وصناديق  الزكاة ، ومؤسسة الخلوة والمسيد وغيرها ، وقد انحصرت أعمال تلك الهيئات في التعليم والتوعية الدينية ، والتكافل الاجتماعي وبناء المساجد واستضافة عابري السبيل وتقديم بعض الخدمات الصحية ، وكانت السمة البارزة لنشاط تلك الهيئات هى النشاط الطوعي الذي ينظمه المجتمع بطريقة عفوية تلقائية.

بداية نشاط المنظمات التطوعية غير الحكومية :

يمكننا أن نؤرخ لبداية العمل الطوعي المؤسسي بحقية الستينات من القرن الماضي حيث اتسم العمل الخيري بالمؤسسية – عند الحاجة – وبالمحدودية الجغرافية – وشهدت فترة السبعينات والثمانينات زيادة أعداد المنظمات التطوعية لتلبية احتياجات المتضررين من الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والتصحر الذي أصاب غرب السودان في كردفان ودارفور وتبع ذلك الصراعات المسلحة والحرب في جنوب السودان التي نتجت عنها عملية شريان الحياة عام 1989م لإغاثة المتضررين من الحرب بجنوب السودان.

أسست حكومة السودان عام 1985م مفوضية الإغاثة وإعادة التعمير للإشراف على نشاط المنظمات خاصة الأجنبية منها وفي عام 2003م أنشأت وزارة الشئون الإنسانية وفي عام 2006م وبعد اتفاقية السلام مع جنوب السودان صدر قانون العمل الطوعي لعام 2006م.

تعتبر فترة الثمانينات من القرن الماضي كما ذكر د. الطيب زين العابدين 2009م بمثابة الميلاد الحقيقي لمنظمات العمل الطوعي التي قدر عددها عام 1980م بحوالى 20 منظمة ووصلت الى 262 عام 1991م وفي العام 2000م بلغ عددها 1200 منظمة وحسب تقرير مفوضية العون الإنساني لعام 2012م فإن عدد المنظمات للعام 2012 م بلغ 4222 منظمة ذلك بإستثناء المنظمات القاعدية أو تلك التي لم يتم تسجيلها على مستوى الولايات.وإذا لاحظنا الأوضاع في السودان نجد أن هناك ثلاث فترات تاريخية أزداد فيها وجود المنظمات الأجنبية في السودان:

فترة الجفاف ونقص الغذاء:

شهد السودان في الفترة من 1984- 1985م مرحلة حرجة تمثلت في الجفاف ونقص الغذاء ترتب عليها نزوح أكثر من نصف مليون ما بين كردفان ودارفور إلى العاصمة القومية وما جاورها من المناطق وقد شهدت الفترة دخولاً مكثفاً للمنظمات الغربية إذ تضاعف عددها أكثر من ثلاث أضعاف وقد أدت السرعة التي دخلت بها المنظمات الدولية للسودان واتساع الرقعة الجغرافية التي تغطيها وكثافة نشاطها تحدياً لتلك المنظمات التطوعية الوطنية التي أزداد عملها وبذلت جهوداً كبيرة لتنظيم وترتيب أوضاعها كمؤسسات وطنية لها القدرة على أداء دورها المطلوب لذلك نشأت منظمات وطنية شبابية ونسوية مثل شباب البناء ورائدات النهضة وغيرها.

فترة شريان الحياة:

من الملاحظ أن معظم المنظمات الأجنبية لم تغادر السودان رغم إنقضاء فترة الجفاف بإعتبار أنها تقوم بنشاط إعادة التعمير والتنمية وفي عام 1988م أصابت الخرطوم وشمال ووسط السودان فيضانات كبيرة أدت لزيادة نشاط عمل المنظمات الأجنبية وشهدت الفترة التي تلت الجفاف إتساع رقعة النزاع المسلح من جنوب السودان إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق وفي أبريل 1989م تم الإتفاق مع الأمم المتحدة على أن تقوم كطرف ثالث بتوزيع الغذاء والإحتياجات الأساسية للمواطنين في الجنوب إنطلاقاً من الخرطوم وكينيا ويوغندا .

  فترة التمرد والصراع في دارفور :

شهدت دارفور تمرداً من بعض الفصائل المسلحة تساندها بعض القيادات القبلية والأحزاب الدولية والسياسية ، وكانت قمة ذلك التمرد في الفترة من 2003م -2007م ومن الملاحظ أن الدولة ممثلة في مفوضية العون الإنساني قد اضطرت لإعطاء المنظمات وضعاً خاصاً وميزة تفضيلية أدت إلى أن يتم تسجيل المنظمة ودخول منسوبيها في خلال أربعة وعشرين ساعة فقط في ما يسمى طريق المرور السريع

Comments

comments

[ssba]

Comments

comments